القرطبي

360

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فيه الحارث بن أسامة زيادة تساوي رحلة ( 1 ) ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " وهي النخلة لا تسقط لها أنملة وكذلك المؤمن لا تسقط له دعوة " . فبين معنى الحديث والمماثلة وذكر الغزنوي عنه عليه السلام : " مثل المؤمن كالنخلة إن صاحبته نفعك وإن جالسته نفعك وإن شاورته نفعك كالنخلة كل شئ منها ينتفع به " . وقال : " كلوا من عمتكم " يعني النخلة خلقت من فضلة طينة آدم عليه السلام ، وكذلك أنها برأسها تبقي ، وبقلبها تحيا ، وثمرها بامتزاج الذكر والأنثى . وقد قيل : إنها لما كانت أشبه الأشجار بالإنسان شبهت به ، وذلك أن كل شجرة إذا قطع رأسها تشعبت الغصون من جوانبها ، والنخلة إذا قطع رأسها يبست وذهبت أصلا ، ولأنها تشبه الإنسان وسائر الحيوان في الالتقاح لأنها لا تحمل حتى تلقح قال النبي صلى الله عليه وسلم : " خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة ( 2 ) " . والإبار اللقاح وسيأتي في سورة " الحجر " ( 3 ) بيانه . ولأنها من فضلة طينة آدم . ويقال : إن الله عز وجل لما صور آدم من الطين فضلت قطعة طين فصورها بيده وغرسها في جنة عدن . قال النبي صلى الله عليه وسلم : " أكرموا عمتكم " قالوا : ومن عمتنا يا رسول الله ؟ قال : " النخلة " . ( تؤتي أكلها كل حين ) قال الربيع : " كل حين " غدوة وعشية كذلك يصعد عمل المؤمن أول النهار وآخره ، وقاله ابن عباس . وعنه " تؤتى أكلها كل حين " قال : هو شجرة [ جورة ] ( 4 ) الهند لا تتعطل من ثمرة ، تحمل في كل شهر ، شبه عمل المؤمن لله عز وجل في كل وقت : بالنخلة التي تؤتي أكلها في أوقات مختلفة . وقال الضحاك : كل ساعة من ليل أو نهار شتاء وصيفا يوكل في جميع الأوقات ، وكذلك المؤمن لا يخلو من الخير في الأوقات كلها . وقال النحاس : وهذه الأقوال متقاربة غير متناقضة ، لأن الحين عند جميع أهل اللغة إلا من شذ منهم بمعنى الوقت يقع لقليل الزمان وكثيره ، وأنشد الأصمعي بيت النابغة : تناذرها الراقون من سوء سمها * تطلقه حينا وحينا تراجع

--> ( 1 ) أي يجب أن يرحل إليها لروايتها . ( 2 ) السكة : الطريقة المصطفة من النخل ، والمهرة المأمورة الكثيرة النسل والنتاج ، أراد خير المال نتاج أو زرع . ( 3 ) راجع ج 10 ص 15 . ( 4 ) من ى . ( 5 ) البيت في وصف حيه ، و " تناذرها الراقون " أي أنذر بعضهم بعضا ألا يتعرضوا لها . ومعنى : " تطلقه حينا وحينا تراجع " أنها تخفى الأوجاع عن السليم تارة ، وتارة تشتد عليه . ويروى : " من سوء سمعها " أي لا تجيب الراقي لا أنها صماء ، لقولهم : أسمع من حية .